محمد جمال الدين القاسمي

211

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

إذا جاء الحديث يوافق قول من قلده ، وقد خالفه راويه يقول : الحجة فيما روى لا في قوله . فإذا جاء قول الراوي موافقا لقول من قلده ، والحديث يخالفه قال : لم يكن الراوي يخالف ما رواه إلا وقد صح عنده نسخه . وإلا كان قدحا في عدالته . فيجمعون في كلامهم بين هذا وهذا . بل قد رأينا ذلك في الباب الواحد . وهذا من أقبح التناقض ، والذي ندين اللّه به ، ولا يسعنا غيره ، أن الحديث إذا صح عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ولم يصح عنه حديث آخر ينسخه ، أن الفرض علينا وعلى الأمة الأخذ بحديثه وترك كل ما خالفه . ولا نتركه لخلاف أحد من الناس كائنا من كان . لا راوية ولا غيره : إذ من الممكن أن ينسى الراوي الحديث ولا يحضره وقت الفتيا . أو لا يتفطن لدلالته على تلك المسألة . أو يتأول فيه تأويلا مرجوحا . أو يقوم في ظنه ما يعارضه ولا يكون معارضا في نفس الأمر . أو يقلد غيره في فتواه بخلافه لاعتقاده أنه أعلم منه ، وأنه إنما خالفه لما هو أقوى منه . ولو قدّر انتقاء ذلك كله ، ولا سبيل إلى العلم بانتقائه ولا ظنه ، لم يكن الراوي معصوما . ولم توجب مخالفته ، لما رواه ، سقوط عدالته . حتى تغلب سيئآته حسناته . وبخلاف هذا الحديث الواحد لا يحصل له ذلك . وقال الفلانيّ رحمه اللّه تعالى في ( الإيقاظ ) قال عثمان بن عمر : جاء رجل إلى مالك بن أنس فسأله عن مسألة فقال له : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كذا وكذا . فقال الرجل : أرأيت ؟ فقال مالك : فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ قال مالك : لم تكن من فتيا الناس أن يقال لهم : لم قلت هذا ؟ كانوا يكتفون بالرواية ويرضون بها . قال الجنيد رضي اللّه عنه : الطرق كلها مسدودة إلا على من اقتفى أثر الرسول صلى اللّه عليه وسلم . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في ( فتوى له ) قد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن اللّه تعالى افترض على العباد طاعته وطاعة رسوله . ولم يوجب على هذه الأمة طاعة أحد بعينه ، في كل ما أمر به ونهى عنه ، إلا رسوله صلى اللّه عليه وسلم . حتى كان صدّيق الأمة وأفضلها بعد نبيّها صلى اللّه عليه وسلم ورضي عنه يقول : أطيعوني ما أطعت اللّه . فإذا عصيت اللّه فلا طاعة لي عليكم . واتفقوا كلهم على أنه ليس أحد معصوما في كل ما أمر به ونهى عنه إلا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . ولهذا قال غير واحد من الأئمة : كل أحد يؤخذ من كلامه ويترك إلا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وهؤلاء الأئمة الأربعة قد نهوا الناس عن تقليدهم في كل ما يقولونه . وذلك هو الواجب . وقال أبو حنيفة : هذا رأيي . وهذا أحسن ما رأيت . فمن